رب زيارة نافع بيدها مفتاح الحلعادل البازفي المؤتمر الصحفي الذي عقده السيد توني بلير رئيس وزراء بريطانيا بالأمس بمنزل السفير البريطاني، السيد وليام باتي بالخرطوم شرق ، رأيت بلير منتعشا في قمة حيويته ، شاهدته يصعد السلالم مهرولا كأنه في بداية العشرينيات وليس الخمسينيات (1953)، حينما شاهدت السيد بلير يمضي مسرعاً وسط الحديقة الواسعة كدت اكذب الأخبار التي افادت بأن السيد بلير قد أجريت له عملية لتنظيم ضربات القلب قبل أربعة ايام فقط من مجيئه الي هنا. لو أن احد السياسيين عندنا اجريت له عملية في القلب لاستغرقه الرقاد شهورا ولكثرت ضبائحه ولتداعت عليه القوي السياسية من كل حدب وصوب شغلة وبلا شغلة .السؤال هو لماذا اختار السيد بلير هذا الوقت بالذات موعدا لزيارته للخرطوم؟ هذا الوقت الذي تحاصره فيه الأوجاع ، وجع القلب ... ووجع دماغ داخل حزبه بسبب مواقف وزير ماليته السيد براون الطامح لرئاسة الوزارة،... وجع خارجي في العراق وآخر اعلامي يحاصره يومياً حول اكذوبة اسلحة الدمار الشامل، وسط هذه الأوجاع يأتي السيد بلير ليتلمس اوجاع دارفور. قبل كل شئ لا بد ان نشكر السيد بلير علي الزيارة مهما كانت نتائجها .في رأيي ان التوقيت فرضته اجندة سابقة كان السيد بلير مرتبطا بهامنذ وقت بعيد ، معلوم ان مجموعة الثمان قد أبدت رغبتها في احداث تغييرات اساسية في افريقيا . في هذا الإطار، تعقد لجنة خاصة بشؤون افريقيا اجتماعاً ترعاه بريطانيا في اديس ابابا ابتداءا من اليوم يختص برسم سياسات التجارة والمساعدات والديون . بريطانيا التي ستتولي رئاسة مجموعة الدول الثمان الكبري في عام 2005م، كان لا بد لها من أن تشارك بهذه الإجتماعات وعلي اعلي مستوي ، فهذه الإجتماعات ذات اهمية بالغة لأفريقيا ولبريطانيا بحسب انها ستطلع بدور اساسي في حل اعقد المشاكل التي تواجه افريقيا، فبريطانيا دائما تؤكد ان سياستها في القارة تنطلق من مبدأ اخلاقي، اضافة الي ان السيد بلير ظل يصف في افريقيا ، بأنها جرح في ضمير العالم .هذه المرة، لم يأتِ السيد بلير الي افريقيا غازياً، إنما داعما وراعيا وشريكاً ، كان لزاما علي السيد بلير وهو يعبر اجواء القارة لحضور اجتماعات اديس ابابا ان يطل علي جرحها النازف في ضمير العالم (دارفور) ولذا فإن التوقيت ليست له دلالة حاسمة بقدر ما حملت اجندته دلالات سياسية ذات خطر .أهم واخطر ما صرح به السيد بلير خلال مؤتمره الصحفي المذكور، هو تأكيده علي ان اكمال نيفاشا يشكل عاملا حاسما لحل جميع قضايا السودان . خطورة هذا التصريح لانه يأتي في سياق قريب من فكرة المجتمع الدولي الذي تحول خطابه الي الربط المباشر بين مسار المفاوضات في نيفاشا وما يجري في دارفور، معطيا اولوية قصوي لاستكمال نيفاشا .هذا السياق، هو ضد المنطق الذي كانت الحكومة تسوقه. كانت الحكومة تقول انها مشغولة بمشكلة دارفور ولا يمكنها اكمال نيفاشا قبل انهاء ازمة دارفور. هذا بالطبع كان عكس موقف الحركة تماما، فالحركة دعت لان تكون نيفاشا هي الطريق لحل ازمة دارفور . يبدو ان الحركة وعقب جولات د. جون قرنق في واشنطون افلحت في جر العالم واقناعه بأن مفتاح الحل بيد نيفاشا، فتصريحات كوفي عنان امس الأول التي قال فيها ( هنالك شرطان لحل ازمة دارفور: اكمال نيفاشا وزيادة القوات الافريقية) . أمس الأول ايضا قدم السيد يان برونك، المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة تقريراً قاسياً علي الحكومة السودانية متهماًً اياها بأنها لم تفعل شيئا إزاء مطلوبات المجتمع الدولي، ولكن اهم ماجاء في الخطاب (إن المسألة التي يتوجب حلها هي المتعلقة بمحادثات السلام لأن نتيجة محادثات السلام بين الشمال والجنوب، يمكن ان توفر الاساس لحل ازمة دارفور) .في تعليق متضجر علي تقرير السيد برونك، قال السيد الفاتح عروة (ما فهمته انه ينبغي علينا ان ننشئ اتفاقيات جديدة وقوانين جديدة حول كيفية حكم السودان المتنوع )، وهو بالضبط ما يطلبه المجتمع الدولي وما لم تفهمه الحكومة السودانية حتي الآن .لا شك ان حضور السيد بلير للخرطوم وتأكيده علي ما صرح به عنان وممثله، تصعيد للضغوط علي الحكومة التي تحزم حقائبها هذا المساء مغادرة الي نيروبي غداً .في رأيي ان ضغط المجتمع الدولي والسيد بلير علي الحكومة السودانية في هذه اللحظات، من شأنه ان يقود الي نتائج ليست في مصلحة المفاوضات، فإن يذهب طرف مفاوض تحت ضغط عنيف من المجتمع الدولي مقابل طرف اخر يرفع باستمرار سقف مطالبه، قادرا علي اقتناص اي فرصة لابتزاز الحكومة ، فإن ذلك لن يكون عدلاً ولن يكون في مصلحة الاتفاق النهائي .في ذات سياق الضغوط ، كنت قد سألت السيد بلير في المؤتمر الصحافي المذكور، قلت له انكم الآن تطالبون الحكومة بتنفيذ خمسة مطلوبات اساسية لحل ازمة دارفور، وعليها ان تفعل ذلك دون ابطاء فما هي يا تري النقاط المطلوب من جانب المتمردين الالتزام بها ؟. أجاب السيد بلير ان نفس هذه المطلوبات لا بد ان يلتزم بها المتمردون .قائمة مطلوبات السيد بلير المتبقية ليس فيهاجديد، فهي نفس مطلوبات المجتمع الدولي الذي ضمنها قراريه 1556 ــ 1564، الاضافة الجديدة الوحيدة هي اشارته لنقطة مبهمة خاصة بإعادة انتشار الجيش في الاقليم .خلت قائمة السيد بلير من مطلبين كانا دائما من اولويات واشنطون ومجلس الأمن، المطلب الأول الذي لم يذكره بلير مطلقا هو موضوع نزع اسلحة المليشيات سواء كانت اسلحة الجنجويد او اسلحة المتمردين، ولأول مرة لا يتطرق مسؤول اوروبي في حديث رسمي لـ «الجنجويد«، تلك النغمة المفضلة التي تعزف عليها اجهزة الإعلام الأوروبي لشهور خلت . المطلب الثاني الذي خلت منه القائمة هو الحديث عن محاكمة المسؤولين عن احداث دارفور وتقديمهم للعدالة، لم يذكر السيد بلير في قائمة مطلوباته هذين المطلبين مما قد يشير الي ترتيب جديد في الأولويات .قد تكون هنالك اجندة اخري للسيد بلير بحسب تقرير لمجلة النيوز ويك في عددها الصادر في 9 أغسطس 2004م (إن رغبة السيد بلير في دارفور تمضي ابعد من الحقائق علي الأرض ، فقيادة السيد بلير لأزمة دارفور هي فرصته لاستعادة زعامته علي اوربا التي شوهت فيها صورته كرجل دولة بعد ما جري في العراق )، رد علي هذا التقرير محلل سياسي فرنسي حين قال ( ان دارفور لا تعني شيئا في الشارع الأوروبي . الوفد الإعلامي المرافق للسيد بليرـ اكثر من خمسة عشر صحافياـ جعلني اعيد التأمل في تقرير النيوز ويك الذي ترجمته أمس الأول للقراء صحيفة اخبار اليوم الغراء . اضف الي ذلك، ملاحظتي علي حرص السيد بلير للإجتماع بمنظمات الإغاثة البريطانية العاملة في دارفور أكثر من عشر منظمات أشهرها اوكسفام والطفولة البريطانية ومعلوم ان منظمة أوكسفام تتبني اضخم حملة اعلامية لدعم الإغاثة في دارفور) .لقاء السيد بلير بمنظمات الإغاثة وتأكيده على دعمها ، يعطي الزيارة ابعادا انسانية تساعد في تسويق صورة جديدة للسيد بلير .زيارة السيد بلير للخرطوم ربما صعدت الضغوط علي الحكومة وربما وضعت اثقالا علي وفدها المتجه الي نيروبي غداً، ولكنها قد تكون فرصة للحكومة للخروج من المأزق ،خاصة انها اعطت السيد بلير وعداً بالتزامها بقائمة مطلوباته الخمسة التي ستنهي ازمة دارفور لتخرج من نفق مظلم دخلته برجليها .رب زيارة نافعة بيدها مفتاح الحل .
Adil Elbaz
الأحد، 18 سبتمبر 2011
رؤية هادئة لأوضاع مضطربة
عادل البازقلنا في المقال السابق، ان خطاب السيد باول أمام لجنة الشؤون الخارجية بالكونغرس، صيغ بطريقة باهرة وماكرة، توضح طرائق العقلية الأمريكية في تعاملها مع الأزمات.من الواضح ان الإدارة الأمريكية في موقفها تجاه هذه الأزمة، بدأت مدفوعة بإتخاذ مواقف متشددة تجاه السودان، وفي ظني ان هذه المواقف لا تعكس رغبتها الحقيقية ولأسباب عديدة، أهمها ان انجازها التاريخي في القارة الأفريقية حتى الآن هو تحقيق السلام في السودان بعد حرب استمرت لأكثر من عشرين عاما.ً وهذا أعطى الإدارة الأمريكية كرتاً شديد الأهمية لاستقطاب أصوات الكتلة السوداء في الانتخابات القادمة.بنت الحكومة الأمريكية استراتيجيتها على إدامة الضغوط على الحكومة السودانية لإنهاء أزمة دارفور بالسرعة اللازمة وإغلاق ملف نيفاشا بتوقيع اتفاق نهائي مع الحركة الشعبية على وجه السرعة أيضاً.ذلك سيتيح لبوش ان يضع في سجل سياساته الخارجية بعض الإنجازات التي يخلو منها حالياً، وانجاز أزمتين في بلد كالسودان وفي وقت وجيز، لا يعادله إنجاز آخر يمكن ان يجلب له أصواتا مقدرة في الانتخابات وخاصة في أوساط الأفارقة الأمريكان.الملاحظة العامة في خطاب السيد باول أمام مجلس الشيوخ، هي ان هذا الخطاب صمم لمخاطبة الرأي العام الداخلي لا العالم، تجاه قضية مهمة. ان المستهدف في خطاب السيد باول كما هو واضح، هي تلك المجموعة المهتمة من الناخبين والمتأثرة بجماعة الضغط والإعلام الأمريكي تجاه قضية دارفور، ولذا بدأت أغلب فقرات الخطاب تنزع إلى إبراز الجهود والإنجازات، بما يعطي انطباعاً ان هذه الإدارة، إدارة السيد بوش والسيد باول، قد فعلت كل شئ ولم تستبقِ شيئاً.استهل السيد باول خطابه مذكراً بأن (الرئيس بوش أول من أدان علناً الحكومة السودان وحث المجتمع الدولي على تكثيف جهوده لإنهاء العنف. ثم استمر السيد باول يعدد إنجازات الولايات المتحدة في سبيل إنهاء الأزمة، بدءاً بزيارة سيادته إلى دارفور حيث التقى بالأمين العام للامم المتحدة هنالك، الذي اتفق معه على استمرارية الضغوط على السودان.مضى السيد باول يخاطب تلك الكتلة الانتخابية التي يعول عليها طارحاً إنجازاته في كافة مسارات الأزمة. أخذ السيد باول يعدد ما تم إنجازه في مجال الإغاثة، قائلاً :(قدمت الولايات المتحدة 211.300 مئتين وإحدى عشر مليون وثلاثمائة ألف دولار، وذلك حتى سبتمبر 2004م، منها ستة ملايين وثمانمائة ألف دولار خصصت للاتحاد الأفريقي مما ساهم في وصول القوات النيجيرية والرواندية لدارفور و مباشرة عملها في المراقبة بإقليم دارفور.لم يكتف السيد باول بإعلان ما أنفق على الإغاثة، بل أعلن ان حكومته خصصت مبلغ عشرين مليون وخسمائة ألف دولار كمعونة إضافية لسنة 2004م وذلك لتوسيع بعثة الاتحاد الأفريقي.هذان الإنجازان في المسارين الإغاثي والأمني، دعمتهما حكومة السيد باول كما قال بموقف سياسي ضاغط في مجلس الأمن، حيث استطاعت حكومة الولايات المتحدة بضغط منها، من استصدار القرار 1556، الذي طالب بمحاسبة المسؤولين والسماح لمنظمات الإغاثة بالعمل دون قيود، وأبقى سيف العقوبات مسلطاً على رأس الحكومة السودانية.كأن السيد باول يريد ان يقول لناخبيه إننا لم نكتف بكل ذلك، بل مضي مذكراً بأن حكومته قد استطاعت جمع أطراف الصراع الآن في أبوجا، وذكر سيادته بلقائه السيد الرئيس عمر البشير والنائب الأول السيد طه، ووزير الخارجية إسماعيل الذي طالبهم فيه بسرعة التوصل إلى سلام شامل مع الحركة الشعبية قائلاً (إن نموذج اللامركزية الذي اقترحته نيفاشا، يمكن ان يكون مفتاحاً لحل أزمة دارفور).بعد ذلك، عاد السيد باول إلى حديث الوعود فوعد بتخصيص 299 مليون دولار للمساعدات الإنسانية في عام 2005م، يخصص منها 11.800.000 مليون للاتحاد الأفريقي.ماذا أفعل لكم أكثر من هذا؟. لعل هذا هو السؤال الذي لم يسأله السيد باول ولكنه كان واضحاً في أغلب فقرات خطابه.أخيراً وصل السيد باول في خطابه إلى بيت القصيد وهو مسألة الإبادة فذهب مباشرة إلى القول( الخلاصة هنا ان هنالك إبادة قد حدثت، واحتمال أيضاً أنها تحدث الآن في دارفور)، هنا بدا واضحاً مكر السياسة الأمريكية وذكاؤها، فلم يكن ممكناً للسيد باول منازعة الكونغرس في وصفه لما جرى في دارفور بالإبادة، ولكنه حتى الآن لا يريد ان يحمّل إدارته مسؤولية ما يترتب على هذا الوصف، ولذا لا بد من حركة التفاف عالية المهارة لا تحمله مسؤولية تبعات الوصف ولا تجعله متناقضاً مع ما أعلنه الكونغرس، ولذلك نجد السيد باول يقول: (سمها تطهيرا عرقيا، أو سمها إبادة أو قل هي ليست كذلك ... الحقيقة ان هنالك أناس في دارفور يحتاجون الآن إلى مساعدتنا).وهنا يلتقط السيد باول نقطة يبدأ منها هجوماً معاكساً على الذين يريدون ان يزايدوا على إدارته ويدعوها إلى المضي حتى نهاية الشوط حين يقول: (يبدو ان البعض ينتظر هذه اللحظة، لحظة الإقرار بأن هنالك إبادة لاتخاذ قرار. في الحقيقة ومهما، يكن لا يوجد فعل جديد اتخذ بناء على هذا الإقرار)، ثم يمضي السيد باول مذكراً الأعضاء (على العموم فيما يخص الإبادة، هذا رأينا وليس رأي المجتمع الدولي).يحاول السيد باول حتى نهاية مطافه، أن يجد لنفسه مخرجاً من موقف لا يرغب فيه، ويجد للحكومة مخرجاً من مأزقها قائلاً: (قبل ان نأخذ حكومة السودان إلى أحكام العدل الدولية، دعوني أحدد نقطة بسيطة للخرطوم لتبتعد بها عن هذه الإدانة الجماعية وهي ان تتخذ أفعالاً) وحددها كالآتي:1. على الحكومة ان تنهي الهجمات وتوفر الأمن لمواطنيها.2. محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات السابقة.3. إنهاء مفاوضات أبوجا بنجاح.4. الموافقة على زيادة قوات المراقبة التابعة للاتحاد الأفريقي.فيما يخص هذه المطالب الأربعة التي تمثل خارطة طريق للحكومة، أرى ان هناك مطلبين لا يمثلان للحكومة أي تحدٍ فإنهاء الهجمات وتوفير الأمن للمواطنين هذا من صميم عمل الحكومة وليست مشحودة عليه وهي تسعى الآن لهذا الاتجاه الذي هو من أوجب واجباتها، المطلب الثاني وهو زيادة قوات المراقبة التابعة للاتحاد الأفريقي، في رأيي الأفضل للحكومة الموافقة على طلب الاتحاد الأفريقي قبل أن يفرض ذلك بقرار من مجلس الأمن، ولابد من إعلان هذا الموقف قبل نهاية هذا الاسبوع لأنها بذلك تكون قد أسقطت بنداً أساسياً في بنود المشروع الأمريكي. خير لنا أن نفعل ما هو ممكن بأيدينا لا بأيدي غيرنا.المطلبان الآخران الخاصان بإنهاء المفاوضات بنجاح ومحاسبة المسؤولين، هنا تحتاج الحكومة للتكتيك وهي بلا شك شاطرة في هذا المجال. تحتاج الحكومة ان تتقدم بعض الشئ في مسارات التفاوض الثلاثة القاهرة، أبوجا، نيفاشا، ليس بالضرورة ان تحسمها إنما المطلوب الآن التقدم في التفاوض. لقد أعجب المجتمع الدولي الآن بموضوع برتوكول الإغاثة رغم أنه كان تحصيل حاصل، فللحكومة ان تكسب وقتاً وهي تواصل التفاوض من ناحية وتقبل بقوات المراقبة من ناحية أخرى، ليعترف المجتمع الدولي بناءاً على ذلك بتحسن الوضع الأمني على الأرض، مما يشكل ضغطاً على حركتي التمرد في دارفور ويخفض سقف مطالبهما، ثم الدفع بمفاوضات القاهرة إلى آفاق الحلول الممكنة، وكذلك بمواصلة التفاوض مع الحركة الشعبية في سبيل تهدئة مخاوفها من ناحية، و إعلان التزام الحكومة بالمضي قدماً في مفاوضات السلام.باختصار، تحتاج الحكومة إلى اختراق سياسي، فهل هي قادرة على ذلك وماهي إمكانية تحقيقه؟.. نحاول ان نفحص ذلك لاحقاً.المهم ان السيد باول فيما بدا من خطابه، ان آخر ما يرغب فيه هو المضي في متاهات المحاكم لتجريم عناصر النظام، فلا وقت له ولا رغبة ، خاصة ان انتخاباته على الأبواب وان استثماراته في النظام لم يحصد منها شيئاً، ولذا فإن آخر من يرغب فيه أيضاً هو سقوط النظام بل ويطلب من النظام المساعدة في فك رقبته ورقبة السيد بوش التي تدخل الآن مقصلة الانتخابات، وبناءً عليه، لا يريد السيد باول اتخاذ إجراء بناءً على إقراره بالإبادة رغم ان المعاهدة تلزمه بالتدخل، ثم إن السيد باول يهدي للحكومة خارطة لتخارج نفسها. كل ما يهم السيد باول حالياً ان يحصد الأصوات التي يمكن ان يستفيد منها لكسبه في دارفور والجنوب، ويطلب من الحكومة مساعدته في ذلك. أما إذا تبين ان الحكومة غير راغبة في ذلك وغير متعاونة مع إدارة بوش وداعمة لها، فلتذهب إلى الجحيم.السيد باول وممثل إدارته القس دانفورث، سيذهبان بمشروعهما خلال هذا الأسبوع إلى مجلس الأمن، إلا آن السيد باول يبدو يائساً من حظوظه هناك كما أنه هو نفسه لا يرغب في أي عقوبات تنسف أو تهدد انجاز حكومته الوحيد في القارة الأفريقية. كل ما هنالك، أنه يريد ان يظهر للشعب الأمريكي وخاصة إلى من يهمه الأمر ما فعله تجاه أزمة دارفور، فهو باختصار يريد ان يقول فعلت كل شئ ولم يتبق إلاَّ التدخل العسكري هنالك. هل تريدونني آن أذهب بجنودي الآن إلى تلك الإصقاع؟. في اعتقادي أن السيد كيري وطاقمه من جماعات الضغط، لن يستطيعا ان يزاودا عليه في هذه النقطة لأنهما لازالا يدينان إدارة السيد بوش ويتهمانها بأنها عزلت الولايات المتحدة عن العالم بشنها حروب متعددة منفردة.السيد باول أعلن ان الصين لن تقبل بعقوبات على قطاع النفط السوداني، وكذلك باكستان والجزائر. إلى جانب ذلك، أبدت بريطانيا تحفظاتها على الأوصاف التي تطلقها الولايات المتحدة بشأن الأزمة في دارفور لأول مرة، وكذلك تحفظت روسيا، فلم يجد السيد باول أمامه إلا قرارين يستطيع ان يجيزهما: الأول يتعلق بزيادة قوات المراقبة الأفريقية، والثاني مطلبه بتكوين لجنة دولية للتحقيق في مزاعم الإبادة. وبالطبع لن يستطيع مجلس الأمن مقاومة هذين المطلبين وسيكون السيد باول سعيداً بذلك، ولن يضغط أكثر من اللازم في هذا المجال وفي هذا التوقيت بالذات، فلا زال سيادته يأمل في ان تنقذه الإنقاذ وتنقذ نفسها.
مع الحكومة في متاهتها «1»
عادل البازيبدو أن الحكومة قد أخذت نفسا عميقا وهي تستمع لتقرير السيد يان برونك ممثل الامين العام للامم المتحدة في السودان، وربما ارتخت اعصابها التي ظلت مشدودة ومتوترة طيلة الشهر الماضي، إلا انه يجدر بها ان ننبهها إلى مسألتين رئيسيتين: الاولى جاءت في تقرير السيد برونك، والثانية في التقرير الذي قدمه السيد كوفي عنان لمجلس الامن، وذلك يقرأ مع مشروع القرار الاميركي البريطاني، وما قد يرد في القرار النهائي لمجلس الأمن.السيد برونك اكد في تقريره ان الحكومة لم تف بالتزاماتها على صعيدين: اولا لم تتمكن من وقف هجمات المليشيات ولا نزع سلاحها، وثانيا لم تتخذ خطوات ملموسة لاحضار اي من زعماء المليشيات او مرتكبي تلك الهجمات للعدالة او حتى تحديد هويتهم.تأسست على هذه الادانة مطالب محددة وهي: «الوسيلة المثلى لتحقيق ذلك «الأمن»، تتمثل في توسيع مهمة قوات الاتحاد الافريقي في دارفور وزيادة عددهم إلى ثلاثة آلاف». أرأيتم المتاهة التي ادخلت فيها الحكومة نفسها، لا افهم ان الحكومة لازالت تمارس القصف هناك ، واكاد لا اصدق ذلك إلا ان شكا بدا ينتابني من صمت الحكومة المطبق والمريب تجاه الادعاءات التي اطلقها اوباسانجو ثم فرق المراقبة ثم جاءت اخيرا على لسان دانفورث ، فهل يا ترى ان الحكومة تقوم حقا وحتى الآن بقصف القرى هناك؟ فإذا كان ذلك يحدث فبلا شك فإن هذا هو الجنون بعينه.لا اعرف حتى الآن كيف يمكن ان تتحدث الحكومة عن نزع اسلحة المليشيات وهي تدرك ان ذلك مستحيل تماما الآن، ولكن «اللولوة» التي تتخذها الحكومة سياسة ثابتة لها في التعامل غالبا ما تفضي بها إلى متاهة، لا تعرف سبيلا للخروج منها. وتضع نفسها تحت مطالبات المجتمع الدولي ، وتلزم نفسها بدفع استحقاقات لا تقدر علىها، اما كان الاجدر بالحكومة ان تجعل نزع اسلحة المليشيات مرهونة بالحل السياسي، الذي اذا ما انجز يمكن للحكومة ان تشرع بعده وبمراقبة دولية في نزع سلاح الجميع في الاقليم، لا يمكن ان يتم نزع سلاح القبائل ولا المتمردين قبل ذلك ، ولو اوكل هذا الامر لقوات المارينز او الى السيد رامسفيلد شخصيا، الذي بحوله وقوته لم يستطع ان ينزع اسلحة مليشيات الصدر.المتاهة الاخرى التي ادخلت فيها الحكومة نفسها هي الحديث عن تقديم زعماء المليشيات إلى العدالة، لقد بدأت الحكومة تمثيليات مضحكة في حكاية القبض على الجنجويد ومحاكمتهم، وهذه قد تمر على المجتمع الدولي ولكن ماذا عن زعماء المليشيات الذين يعرفهم المجتمع الدولي شخصيا، هل تستطيع الحكومة القبض علىهم. هل تستطيع القبض على زعماء القبائل الذين تضامنوا معها في حربها ضد التمرد، واذا فعلت ذلك ستواجه تمردا اخر في الاقليم سيكون اشد خطرا، هذه متاهة لا اعرف كيف السبيل للخروج منها، كما لا ادري لماذا لا تتعامل الحكومة بسياسة واضحة مع المجتمع الدولي، الذي يدرك تفصيلا ما جرى، وفي رأيي ان الوضوح اقصر الطرق للوصول معه إلى حلول وسط، الرأى الصحيح الذي يمكن للحكومة ان تتخارج به هو ان توضح للسادة اعضاء مجلس الامن انها لا تستطيع لا القبض على زعماء قادة القبائل ولا نزع اسلحة المليشيات الآن، كما لن يستطيع المجلس الموقر نفسه ان يفعل ذلك.المسألة الاخرى في تقرير السيد برونك تتعلق بزيادة قوات الاتحاد الافريقي وتوسيع مهامها، ويبدو أن العالم كله متفق الآن على هذه القضية ، فاصدقاء الحكومة واعداؤها ينصحونها بقبول قوات افريقية لحفظ السلام، الحكومة من جانبها توافق على قوات مراقبة لا على قوات حفظ سلام.في الاسبوع الماضي التقيت احد اعضاء الحزب الديمقراطي الاميركي الذي زار البلاد مؤخرا ،فسألته عن اهدافهم من ارسال قوات افريقية إلى دارفور، فقال لي ان هدفنا الوحيد هو حماية السكان، فقلت له اذا كان هذا هو الهدف فإن قوات المراقبة يمكن ان تفعل ذلك وخاصة وان الحكومة توافق علىها وتوافق على زيادة عددها، وفي رأيي انه ليس هناك فرق كبير بين قوات المراقبة وحفظ السلام في هذه الحالة ، فلماذا لا تدعون الحكومة تنصب الخيمة التي تريحها وتقف تحتها موفورة الكرامة، وتؤدي القوات مهمتها دون ان تتعرض الحكومة للي الذراع؟ فقوات المراقبة الافريقية اذا ما انتشرت في الاقليم مدعومة بمراقبة دولية كما هو حادث الآن، فإن الحكومة والمتحالفين معها لن يستطيعوا شن هجمات جديدة في ظل وجود هذه الرقابة، وخاصة اذا ما كان المجتمع الدولي ومجلس الامن والاعلام الدولي يتابعون ويرصدون ما يجري هناك بدقة، اضافة إلى ذلك فإن مفاوضات ابوجا اذا ما تكللت بالنجاح فلن يكون هناك داع اصلا لنشر قوات قد تدخل في الصراع نتيجة لأي خطأ غير محسوب فتغرق هي نفسها في مستنقع، كل ما يعني الحكومة في مسألة القوات الافريقية ان لا تظهر بأنها قد فرطت في سيادة الوطن.. حسنا لماذا لا تُترك الحكومة تستمتع بهذا الاحساس الجميل «سيادة الوطن»؟ مع ان السؤال الذي لن تستطيع الاجابة علىه: هل تبقت للوطن سيادة هناك في دارفور حتى نحافظ علىها؟ «300 منظمة تعمل الآن في دارفور تسرح وتمرح»، وهل بعد ما جرى ويجري في العالم من عولمة عابرة للحدود متجاوزة سيادة الاوطان، هل يمكن الحديث عن سيادة ما للوطن؟، انظر إلى ما يجري في لبنان، فمجلس الامن يتدخل الآن في اختيار من سيكون الرئيس؟ وكيف سيتم اختياره وكيف يبني لبنان علاقته مع جارته سوريا؟ قريبا ستلحق سيادة الاوطان بالغول والعنقاء والخل الوفي.نحن نبحث الآن عن معادلة للحفاظ على الوطن نفسه لا عن سيادة زائفة فيه!!
دارفـــــــــور بين أوباســــــــانجو ودانفـــــــــورث
عادل البازمن المتوقع او قل من المؤكد ان اميركا ستستطيع في النهاية تمرير مشروع قرارها داخل مجلس الأمن ، اذا كان معدلا او غير معدل، ولا اظن ان اميركا تهتم بالقرار نفسه بقدر ما تهتم بالظهور أمام مواطنيها وجماعات الضغط بمظهر الادارة الحازمة تجاه حكومة السودان، الممارسة للابادة الجماعية، المنتهكة لحقوق الانسان، والتي استطاعت -أي الادارة الاميركية- ان تؤلب عليها الدنيا من اجل ارضاء ناخبيها في اليمين المسيحي والكتلة السوداء.المتوقع ان يشتمل القرار على اربع فقرات مهمة، الاولى: تتعلق بالتهديد بفرض عقوبات. في هذه الناحية غالبا ما تؤدي المساومات داخل المجلس إلى استبعاد «عبارة عقوبات نفطية» لتصبح مجرد عقوبات، هذا هو التنازل الذي ستقدمه الولايات المتحدة للصين في سبيل اجازة مشروعها. الحقيقة ان الولايات المتحدة ستقبل هذا التنازل بمزاجها، اذ انها في مواجهات كثيرة سابقة استطاعت ان تحيّد الصين، ولم تستطع الصين في اكثر من مرة تضررت فيها من قرارات مجلس الامن، ان تستعمل «حق الفيتو»، ذلك ببساطة ان الميزان التجاري بين الصين والولايات المتحدة يبلغ «700» مليار دولار، في حين ان كل الاستثمارات النفطية للصين في السودان لا تعودعليها بأكثر من مليار دولار.في مسألة العقوبات استبعد بالامس البرلمان الاوروبي العقوبات النفطية، وحث مجلس الامن على حظر الاسلحة عن حكومة السودان، وغالبا ما ينسجم الموقف في مجلس الامن والبرلمان الاوروبي.الفقرة الثانية، تتعلق بالدعوة إلى تكوين لجنة دولية لتقصي الحقائق حول احداث دارفور. هذه اللجنة ستواجه تعقيدات شتى بعد اجازتها، فهنالك مشكلة في طريقة تكوين اللجنة، ثم هنالك قضية في تحديد مهامها وكيفية اختيار عضويتها والصلاحيات التي ستخول لها، هذا جدل سيطول داخل مجلس الامن ، وهذا لا يعني امريكا في كثير او قليل حاليا.الفقرة الثالثة: تتعلق بزيادة عدد القوات الافريقية للمراقبة.الفقرة الرابعة :تتعلق بمطالبة الحكومة بالقبض على المسؤولين عن الجرائم في دارفور وتقديمهم للمحاكمة وتوقيف نشاط الجنجويد وتجريدهم من السلاح، وخاصة ان الامين العام يدّعى حتى بالامس، ان القتل لازال مستمرا، وان الجنجويد يواصلون الهجمات على القرى هناك.في رأيي ان هذه الفقرة ملتبسة ففي ذات الوقت الذي يقرر فيه مجلس الامن انشاء لجنة تحقيق دولية يطالب بتقديم المسؤولين عن الجرائم للمحاكمة ، وذلك قبل تكوين لجنة التحقيق نفسها، اي قبل الوصول للبينات الكافية لادانة المسؤولين وتقديمهم للعدالة، اذا كان المجتمع الدولي يتهم الحكومة بأنها مسؤولة عن ذلك، فكيف ستكون الحكومة عادلة في محاكمة نفسها ومسؤوليها، واذا كان المجتمع الدولي لا يثق في ان الحكومة ترغب في نزع اسلحة الجنجويد بل وتدعمهم، فكيف يتوقع منها ان تحاكمهم او تحاكم نفسها؟ اذا كان المجتمع الدولي صادقا في اتخاذ اجراءات عادلة، فعليه انتظار ما ستسفر عنه لجنة التحقيق التي نص عليها قرار مجلس الامن، فما داعي العجلة ، هل هناك اجندة اخرى لا يفصح عنها مشروع القرار في هذه المرحلة. الله وحده يعلم ، وامريكا.الحكومة السودانية في الغالب ستوافق على زيادة عدد المراقبين وزيادة قوات الاتحاد الافريقي للمراقبة ايضا، وستوافق على استخدام هذه القوات لاغراض اخرى اذا دعت الضرورة، وعلى الارجح انها ستوافق على لجنة دولية لتقصي الحقائق.الفقرة الاولى التي ستربك الحكومة، هي المتعلقة بالعقوبات ايا كان نوعها وسترفضها، الفقرة الاخرى التي ستكون مربكة ايضا للحكومة هي تلك المتعلقة بنزع اسلحة المليشيات. الحكومة لا تريد ان توضح للمجتمع الدولي انها لا تستطيع ذلك الآن، وهذا مما يدخلها في تناقض مع التزاماتها ويعرض مصداقيتها للخطر. الحكومة لا تستطيع ذلك لان المليشيات التي تعاملت معها هي مجموعات معلومة ساهمت معها في دحر التمرد في دارفور ، فاتخاذ اية اجراءات ضد هذه المجموعات سيشعل حربا اهلية جديدة في الاقليم، حل هذه المعضلة يكمن في الحل السياسي ، وهذا لا يبدو قريبا والمجتمع الدولي في عجلة من امره، وامريكا من جانبها تعقّد الحل السياسي باشاراتها الخاطئة للمتمردين.أبوجالأول مرة يظهر تباين علني في موقف حركتي التمرد في دارفور ، فبينما رأت حركة تحرير دارفور ان هناك فرصا لمواصلة التفاوض، اعلنت حركة العدل والمساواة انهيار المفاوضات، بدا واضحا ان الاجندات المختلفة لكل حركة تؤثر في رؤيتهما للموقف من قضية دارفور، حركة العدل والمساواة بارتباطاتها السياسية مع الوسط خاصة مع المؤتمر الشعبي لها اجندة تتجاوز دارفور وقضاياها ، كما ان ارتباطها بالشعبي يعمل على خط الصراع الدائم على السلطة في الخرطوم، حركة تحرير السودان ذات الارتباط العميق بالحركة الشعبية لها اجندة مختلفة، اذ ان معظم مطالبها متعلقة بقضايا امنية وانسانية خاصة بدارفور، هذه الحركة هي ايضا ليست حرة تماما في رؤيتها السياسية والامنية، الموقف الذي اتخذته اخيرا بفرز موقفها عن حركة العدل والمساواة له علاقة بمسار التفاوض في نيفاشا واستجابة الحكومة لبدء المفاوضات هناك، ومن ناحية اخرى رغبة الحركة الشعبية في تخفيف الضغوط على الحكومة بعدم الاسراع في إعلان انهيار مفاوضات ابوجا عشية انعقاد مجلس الامن لاتخاذ قرار حول السودان. في رأيي ان الحركة الشعبية لعبت دورا ما في موقف حركة تحرير السودان الرافض لاعلان انهيار المفاوضات ولصالح الحكومة، علما بأن الحركة الشعبية ذهب قائدها جون قرنق إلى نيجيريا عند بداية المفاوضات لمظاهرة حركة تحرير دارفور التي تربت في احضان حركته، الحركة الشعبية هي من دربت «1500» عنصر لحركة تحرير السودان في راجا وسلحتهم ونقلتهم إلى دارفور، هذه المعلومات بناء على تقرير صادر من مركز الازمات الدولية، المركز الذي اشتهر بتعاطفه التام مع الحركة الشعبية وذلك في تقرير صادر في يونيو 2004م.تجدر هنا الاشارة إلى مقترح جيد تقدم به الرئيس اوباسانجو للمتفاوضين في ابوجا قبل يومين، في ما يخص الترتيبات الامنية ، حيث اقترح الرئيس النيجيري فصل مسار التفاوض إلى جزئين اولهما يتعلق باستمرار وقف اطلاق النار بناء على اتفاق انجمينا اضافة إلى توفير الامن في المعسكرات وبقاء الجيش في مناطق تمركزه الحالية في الاقليم. الجزء الثاني من المقترح والذي يتعلق بنزع اسلحة المليشيات ووضع القوات المسلحة النهائي في الاقليم، اقترح اوباسانجو ان يبحث ذلك بعد الحل السياسي والمتفاوض عليه في ابوجا، حركة تحرير السودان كانت اقرب للموافقة على هذا الطرح ، ولكن تعقيدات الموقف داخلها لم تمكنها من اتخاذ قرار حتى ساعة كتابة هذا المقال مساء امس الجمعة. فيما يعقد الرئيس اوباسانجو اجتماعا مشتركا بين الوفود المتفاوضة لعله يستطيع ان يخرج باتفاق ما او حتى اعلان مشترك ينجو بالمفاوضات من الانهيار المتوقع، الذي يزيد الامر تعقيدا بالنسبة للحكومة وللمتمردين وللاتحاد الافريقي، وبالنسبة لاوباسانجو نفسه الذي يقدم نفسه للعالم كزعيم افريقي قادر على لعب دور حاسم في حل قضايا القارة.
التدخل العسكري.. لن يجرؤ أحد - الحلقة الأخيرة
عادل البازكيف سترتب امريكا اوضاع اقليم غرب افريقيا المضطربة، والتي لم تعد امريكا تحتمل اي مخاطر يمكن ان تهدده، ثم كيف ستتعامل مع قضية دارفور في هذا الاطار؟. انتهينا بهذه التساؤلات في المقال السابق واوضحنا المخاطر التي ستنشأ جراء اي تدخل عسكري في حزام الدول المتداعية كما سماها الرئيس جورج بوش.بدا واضحا للمراقبين انه ومنذ عام 1995م، في اعقاب الانسحاب الاميركي من الصومال بدأت تغيرات شتى تطرأ على السياسة الاميريكية في ما يخص التدخل العسكري في القارة الافريقية، تغير التكتيك وتم الحفاظ على ذات الاهداف .. تأمين النفط ومحاربة الارهاب. سأستعرض هنا ورقة نشرتها صحيفة «الليموند دبلوماتيك» الفرنسية الشهيرة في عددها الصادر في يونيو الماضي، الورقة بعنوان «واشنطن تعيد نشر قواتها في افريقيا» كتبها المحلل العسكري بيار ابرامو فيش، استعرضت الورقة الآليات التي استحدثتها الولايات المتحدة لتتدخل عسكريا في ازمات القارة الافريقية «في عام 1996 اطلقت واشنطن فكرة تأسيس قوة عسكرية للاستجابة للازمات الافريقية.«ازمة دارفور» سميت «المبادرة الافريقية» مع ان هذه المبادرة صناعة وزارة الخارجية الاميركية، إلا ان القيادة الاوروبية بالجيش الاميركي هي التي تنسق عملياتها. ابتدعت القيادة الاوربية بهذه المبادرة آليات للتعامل مع الازمات بعيدا عن الجيوش النظامية للدول الافريقية. في هذا الاطار تم توظيف شركات خاصة مثل «لوجيكون» من مجموعة «نورث قورب» وشركة «العسكريين المحترفين». هذه الشركة متخصصة في الاستشارات الامنية وعلى رأسها جنرالات يعملون لصالح جميع الحكومات في العالم. بدأت هذه الشركة بالتجهيز الفعلي للقوات الخاصة للتدخل في النزاعات الافريقية.وضمن المبادرة الافريقية، اتخذت آلية اخرى لتأهيل بعض الدول الافريقية للقيام ببعض المهام العسكرية المطلوبة في الاقليم، وفي يوليو ومايو عام 2002 عمدت المبادرة الافريقية إلى تنظيم وتدريب وحدات من الجيشين اليوغندي والغاني، وتم تزويد هذه الجيوش بمعدات اتصال واجهزة متقدمة. بلغت ميزانية هذا البرنامج 30 مليون دولار موزعة على عامي 2001م و 2002م.في اعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر، ضاعفت الولايات المتحدة من اهتمامها بامن افريقيا وخاصة بعد ان اعلن الرئيس بوش خلال جولته الافريقية في يوليو 2003م، «لن ندع الارهابيين يهددون الشعوب الافريقية او استخدام افريقيا قاعدة لتهديد العالم». بناء عليه، حولت المبادرة الافريقية إلى برنامج عملي سمته «اكوتا» او برنامج «المساعدة على التدريب العملياتي». تأسس برنامج «اكوتا» على عناصر محددة تتألف من قوات افريقية خاصة مهمتها: اولا حفظ السلام، وثانيا تقديم المعونات الانسانية «حالة دارفور». «في تصوري ان هذا البرنامج هو الذي سيشتغل تحت مظلة الاتحاد الافريقي لمعالجة ازمة دارفور» لقد تم افتتاح مركز اكوتا للتدريب العسكري في عام 25 نوفمبر 2003م بنيجيريا في العاصمة ابوجا.بجانب برنامج اكوتا، هناك برنامج آخر يعمل تحت مسمى «حفظ السلام الاقليمي» وقد بلغت ميزانيته 2001م إلى 2003م ما يقارب «100» مليون دولار، شاركت فيه «44» دولة افريقية. كل هذه البرامج مصصمة للتدخل في النزاعات الافريقية وقواتها جاهزة ومشوّنة قواعدها في نيجيريا وغانا.تحت عنوان «التعاون العسكري للمكافحة الشاملة للارهاب» وخاصة في دول غرب افريقيا، انعقد في مارس 2004م اجتماع شارك فيه رؤساء واركان الجيش في ثماني دول افريقية منها: تشاد، النيجير، السنغال، مورتانيا، المغرب، الجزائرو تونس. جرت هذه الاجتماعات السرية بقيادة الجيش الاميركي في اوروبا في مدينة شتوتغارت، وانتهت باشتراك اربع دول في عمليات بالجزائر ضد الارهابيين هناك، إلى هنا انتهى استعراضنا لورقة «الليموند دبلوماتيك».بقراءة هذه الورقة، تكون استراتيجية التدخل في افريقيا قد اتضحت تماما وتم تجريبها اثناء انقلاب ساوتومة، حيث كانت مجموعة القوات الخاصة الافريقية جاهزة للنزول في الارخبيل تحسبا لصراع دام كان مقدرا له ان يجري هناك، فحطت القوات لحماية المنطقة من الاشتعال خاصة وان امريكا تستثمر هناك «500» مليون دولار.على اية حال، هذه هي الطريقة التي اتبعتها اميركا لترتيب اوضاعها الامنية في القارة، والآن كيف ستتعامل امريكا مع ازمة دارفور وما هي رؤيتها للتدخل العسكري؟.استبعد باول في زيارته الاخيرة لدارفور فكرة التدخل العسكري ونأت الادارة الاميركية بنفسها عن مواقف الكونجرس المتطرفة التي تحاول وصف ما جرى في دارفور بأنه ابادة، مما يمكن ان يجرها إلى تدخل عسكري عاجل اذا ما تبنت هذا الوصف. الادارة الاميريكية التي تتأثر الآن بمؤثرين لهما دور كبير في الانتخابات القادمة: هما الكتلة السوداء التي تمثل مجموع «30» مليون ناخب وتطالب هذه الكتلة بقيادة زعيمها دونالد بن في الكونجرس بالتدخل العسكري في دارفور، وكذلك تطالب الكنيسة الانجليكانية، وهي القاعدة الاساسية الانتخابية للرئيس بوش، تطالب بالاسراع في التدخل العسكري، ولهذا فقط ستلجأ الولايات المتحدة لاستخدام المؤسسات الدولية والتهديد باستخدام القوة العسكرية دون استخدامها فعليا، وسيكون منطقها انها تحقق ذات اهداف التدخل العسكري باستخدام آليات جديدة في التعامل مع ازمات الدول المتداعية.في نشرة وزعها المركز الصحافي في واشنطن يوم الثلاثاء 27 يوليو 2004، رسم شارلز اسنايدر نائب مساعد وزير الخارجية الاميركي للشؤون الافريقية ومسؤول ملف السلام في السودان والسياسي النافذ في الادارة الاميركية، رسم خارطة للطريقة التي ستتعامل بها امريكا مع السودان لمعالجة ازمة دارفور كالآتي: يقول اسنايدر «في ما يخص الحلول الاقليمية هذا بالضبط ما ندعمه من خلال الدعم الذي تقدمه الولايات المتحدة للاتحاد الافريقي في وقف اطلاق النار، وكذلك فإن الخطوات المفضلة لنا للحل: «ان تفعل الحكومة الاشياء الصحيحة وان لم تفعل الحكومة سنطلب من المؤسسات الاقليمية ان تفعل وخاصة الاتحاد الافريقي، واذا لم ينجح فسنبحث عن جهة اخرى لتفعل». ذات الموقف اوصى به مركز الازمات الدولية في آخر اصداراته عن دارفور في نهاية الشهر الماضي حيث قال: «آخر ما يمكن فعله في دارفور هو ارسال قوات لحماية الاهداف الضرورية» اكد ذات المعنى جون براندر قاست مستشار المركز حين صرح لصحيفة «الخليج» الاماراتية «الولايات المتحدة لا تنوي التدخل عسكريا في دارفور».اوردت «النيوز ويك» في عددها الصادر في 10 اغسطس الحالي 2004، تصريح مسؤول بريطاني عسكري رفيع «نظرا لالتزامات بريطانيا في العراق وافغانستان، فإن مسألة ارسال جنود إلى دارفور لن تكون سهلة واضاف «لا يمكنك بأي شكل ان تذهب إلى هناك وتخرج في غضون ستة اشهر، في الوقت الراهن فإن بريطانيا شأنها في ذلك شأن الولايات المتحدة وشركائها الاوروبيين، تركز جهودها على المساعي الدبلوماسية وفي حال هنالك حاجة إلى ارسال قوات فإنها على الاغلب ستكون قوات افريقية تعمل تحت مظلة الاتحاد الافريقي».في قرار مجلس الامن «1556» الصادر في 30 يوليو الماضي، رحب المجلس بالدور الريادي الذي يقوم به الاتحاد الافريقي ونص البند «16» على الآتي: «يعرب مجلس الامن عن تأييده الكامل للجنة وقف اطلاق النار وبعثة الرصد التابعين للاتحاد الافريقي، ويطلب من الامين العام ان يقدم المساعدة إلى الاتحاد الافريقي في مجالات التخطيط واجراء التقييمات المتعلقة ببعثته في دارفور، وان يجري الاستعدادات اللازمة وفقا للبيان المشترك من اجل تنفيذ اي اتفاق مستقبلي في دارفور بالتعاون الوثيق مع الاتحاد الافريقي». بعد اسبوع من صدور هذا القرار، بعث الامين العام كوفي عنان مبعوثا إلى اديس ابابا لمعرفة حجم الدعم المالي والفني والعسكري الذي يحتاجه الاتحاد لتنفيذ مهامه في دارفور».هكذا ترشح الولايات المتحدة وبريطانيا ومجلس الامن الاتحاد الافريقي ليلعب دورا جوهريا في معالجة ازمة دارفور. القوات الامريكية التي دربتها امريكا في مجلس السلام الاميركي وعبر برامجها المتعددة جاهزة في الاقليم وتتمركز خاصة في انغولا ونيجريا وغانا، وهي ذات القوات التي جرى استخدامها في ليبيريا وسيراليون كقوات حفظ سلام تحت لافتة الامم المتحدة، وهي ذات القوات التي يجري حشدها الآن لارسالها إلى دارفور تحت لافتة الاتحاد الافريقي هذه المرة وباسم قوات حفظ السلام والمراقبة. وفي رأيي ان هذا حل وسط، ستوافق عليه الحكومة وسيلجم مجلس الامن عن اتخاذ اي قرارات اخرى، وسيجعل بوش وبلير يتنفسان الصعداء ، خاصة حينما تصور عدسات التلفزيونات الاوربية الجنود الافارقة وهم ينتشرون في دارفور في لقطات درامية وخلفهم بعض قوات المراقبة الاوروبية، وسوف لن تفعل هذه القوات شيئا سوى ان تظهر على شاشات التلفزيون لتطمئن العالم بأن دارفور الآن خالية من الجنجويد كما تخلو العراق من اسلحة الدمار الشامل. حينها، ستنتهي اكذوبة التدخل العسكري تحت كافة المسميات وتعود فيالق الجنود الافارقة من جديد إلى مقارها لتؤدي وظيفتها الاساسية في حماية آبار النفط ومحاربة الارهاب.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)